السيد الطباطبائي

328

تفسير الميزان

كان من أهل النار عمل الشر لا محالة ، والدعوة إلى الجنة وعمل الخير لان عمل الخير يعين منزله في الجنة ، وأن عمل الشر يعين منزله في النار لا محالة كما قال تعالى : " ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات " البقرة : 148 . فلم يمنع تعين الوجهة عن الدعوة إلى استباق الخيرات ، ولا منافاة بين تعين السعادة والشقاوة بالنظر إلى العلل التامة وبين عدم تعينها بالنظر إلى اختيار الانسان في تعيين عمله فإنه جزء العلة ، وجزء علة الشئ لا يتعين معه وجود الشئ ولا عدمه بخلاف تمام العلة ، وقد تقدم استيفاء هذا البحث في موارد من هذا الكتاب ، وآخرها في تفسير قوله تعالى : " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " الأعراف : 30 ، وأخبار الطينة المتقدمة من أخبار هذا الباب بوجه . وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : " وإذ أخذ ربك من بني آدم " الآية قال : خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه ، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم ، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم . أقول : وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس بطرق كثيرة في ألفاظ مختلفة لكن الجميع تشترك في أصل المعنى ، وهو إخراج ذريه آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم . وفيه أخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " . قالوا : لما أخرج الله آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي ، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر : فقال : ادخلوا النار ولا أبالي فذلك قوله : " أصحاب اليمين وأصحاب الشمال " . ثم أخذ منهم الميثاق فقال : ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين ، وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة : شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا